نبذة تاريخية عن بنك السودان المركزي
أولاً : خلفية تاريخية عن نشأة وتطور بنك السودان المركزي
إن المتتبع للتطور التاريخي لمسيرة بنك السودان المركزي للفترة ما قبل قيام بنك السودان وحتى الآن ، يلاحظ أن تلك المسيرة قد مرت بمجموعة من الفترات والمراحل الفرعية أهمها الآتي :
أ): فترة ما قبل قيام بنك السودان:
تميزت تلك الفترة بالآتي :
1. كانت بعض وظائف البنك المركزي مقسمة بين وزارة المالية والاقتصاد ،لجنة العملة السودانية وفرع البنك ا لأهلي المصري. فقد كانت وزارة المالية تحتفظ بجزء من الأرصدة الأجنبية الرسمية وتديرها عن طريق حسابين للجنيه الإسترليني والدولار الأمريكي يديرهما علي التوالي البنك الأهلي المصري وبنك باركليز ( دى ، سى ، أو ). أما لجنة العملة فقد كانت تقوم بمهمة إصدار وإدارة العملة والاحتفاظ بالجزء الآخر من أرصدة البلاد بالعملة الأجنبية كغطاء للعملة. كذلك كان فرع البنك الأهلي المصري يقوم بإدارة الأعمال المصرفية للحكومة الى جانب قيامه بمهمة العمل كمصرف للبنوك التجارية.
وقد كان فرع البنك الأهلي المصري في السودان في وضع لا يسمح له بالعمل مستشاراً للحكومة في الشئون المالية والنقدية أو للبنوك التجارية أو مراقباً لها ، رغم أنه كان يقوم بدور المقرض الأخير ، إلا أن وزارة المالية والاقتصاد كانت تقوم ببعض المراقبة علي قروض البنوك من البنك الأهلي المصري، كما كانت تفرض بعض القيود النوعية علي نشاط البنوك التمويلي.
- هيمنت فروع البنوك الأجنبية سالفة الذكر علي مجمل النشاط المصرفي بالسودان، وتوجيه التمويل لخدمة قطاع التجارة الخارجية لمصلحة الاستعمار، وذلك بالتركيز علي تمويل إنتاج المواد الخام لسد حاجات الصناعات البريطانية من قطن وخلافه.
- لم يكن للسودان عملة وطنية حيث كانت العملتان البريطانية والمصرية هما السائدتان حتى أُنشئت لجنة العملة السودانية في عام 1956م حيث أصدرت أول عملة وطنية عام 1958م.
ب): فترة ما بعد الاستقلال :
في هذه الفترة برزت عدة ثوابت دعت إلى إنشاء البنك المركزي والتي تمثلت في :
- ضرورة وجود بنك مركزي وطني لتنظيم عملية إصدار العملة الوطنية .
- الحاجة الملحة لتنظيم السياسات التمويلية بغرض توجيه التمويل لخدمة القطاعات الاقتصادية ذات الأولوية في الاقتصاد الوطني.
- ضرورة إنشاء بنك مركزي لحفظ حسابات الحكومة ويكون مستشاراً لها في الشئون المالية وتوفير النقد الأجنبي اللازم لإعادة تأهيل المشاريع التنموية القائمة آنذاك.
- تبنى الحكومة في تلك الفترة برامج طموحة لتحقيق التنمية الاقتصادية ، وهذا تطلب وجود بنك مركزي يعمل علي جذب المدخرات لداخل الجهاز المصرفي بغرض توفير التمويل اللازم لتلك البرامج.
ج) : إنشاء بنك السودان :
مما تقدم اتضح جلياً مدى الحاجة لإنشاء بنك مركزي يعمل علي ترقية وتطوير الجهاز المصرفي بالسودان ليسهم بدوره في دفع عجلة التنمية الاقتصادية والاجتماعية.وفي أواخر ديسمبر 1956م تمّ تشكيل لجنة من ثلاثة خبراء من بنك الاحتياط الفدرالي الأمريكي وهم: Oliver Wealeنائب رئيس بنك الاحتياط الفيدرالى لسان فرانسيسكو رئيساً وعضوية كل من : Alan R-Holems و Andrew F. Primer من بنك الاحتياط الفيدرالي لنيويورك لعمل دراسة لإمكانية إنشاء بنك مركزي بالسودان وقدمت اللجنة تقريرها للسلطات المختصة في منتصف مارس 1957م وتمت الموافقة عليه . إلا أنه تأخر صدور قانون بنك السودان حتى عام 1959م وقد تمّ افتتاح البنك رسمياً في يوم 22 فبراير 1960م.
هذا وقد حددت المادة (5) من قانون بنك السودان لسنة 1959م الأغراض التي من أجلها أنشئ البنك والتي تمثلت في تنظيم إصدار أوراق النقد والنقود المعدنية ،المساعدة علي تنمية نظام مصرفي ونظام للنقد والائتمان في السودان ، والعمل علي استقراره بغرض تحقيق التنمية الاقتصادية بالبلاد علي نحو منتظم ومتوازن وتدعيم الاستقرار الخارجي للعملة وأن يكون مصرفاً للحكومة ومستشاراً لها في الشئون المالية.
واستناداً إلى قانون بنك السودان لسنة 1959م (بتعديلاته المختلفة) فإن بنك السودان يعتبر مستقلاً عن الحكومة إذ أن إدارته أسندت إلى مجلس إدارة مسؤول عن رسم سياسة البنك وإدارة شئونه العامة وأعماله. كما أسندت إدارة شئون البنك اليومية للمحافظ ويكون مسئولاً عنها أمام المجلس. كما نص القانون علي أن بنك السودان هيئة قائمة بذاتها لها شخصية اعتبارية وصفة تعاقبية وخاتم عام ويجوز لها التقاضي باسمها بصفتها مدعية أو مدعى عليها. ومن هنا كان لابد من أن يستشعر البنك أهمية وضع الهيكل الإداري والوظيفي وفق الأغراض والأهداف التي من أجلها أنشئ البنك، وذلك لأن الهيكل الإداري والوظيفي يجب أن يكون ترجمة واقعية وتنزيلاً لتلك الأهداف لأرض الواقع لكي يتمكن البنك من الاضطلاع بدوره بالصورة المطلوبة. عليه فقد تمثل الهيكل الإداري للبنك في إيجاد إدارات تقوم بالوظائف التالية :
- إصدار النقود.
- بنك الحكومة ومستشارها المالي.
- إدارة إحتياطيات البلاد من النقد الأجنبي.
- بنك البنوك وتمثل ذلك في الآتي :
- الاحتفاظ بالاحتياطيات النقدية للبنوك.
- المقرض الأخير للبنوك.
- إجراء عمليات المقاصة والتسويات المالية بين البنوك.
- الإشراف علي البنوك والمؤسسات المالية الأخرى.
- إصدار السياسة النقدية والتمويلية.
من الطبيعي أنه بعد إنشاء بنك السودان أن تولت الإدارة شخصيات سودانية ومن ثم تمّ إعفاء كبار موظفي البنك الأهلي المصري ذوي الجنسيات المصرية بينما تم الإبقاء علي بقية الموظفين الذين كانوا يعملون مع البنك الأهلي المصري. جدير بالذكر أن السيد/ مامون بحيرى هو أول محافظ لبنك السودان .ونسبة للاختلاف الجوهري بين طبيعة عمل ونشاط وأغراض البنك الأهلي المصري وبنك السودان فقد ظهرت الحاجة الملحة لموظفين من حملة الشهادات الجامعية ومن ثم تمّ تعيين عدد مقدر من حملة الشهادات الجامعية الى جانب استيعاب عدد من الموظفين الذين كانوا يعملون في وزارة المالية. وذلك للقيام بأعباء البنك المركزي ذات الطبيعة الكلية (Macro) والتي تختلف في طبيعتها عن عمل ونشاط فرع البنك الأهلي المصري ذو الطبيعة الجزئية (Micro) .
د):فترة التغيرات المتلاحقة في مسيرة البنك :
من المعلوم بأن مهام البنك المركزي عند إنشائه قد بنيت على أساس التوصيات التي تقدم بها خبراء بنك الاحتياط الفيدرالي الأمريكي ، التي جاءت متطابقة لمتطلبات النظام الرأسمالي ، وظلت على ما هي عليه ، حتى جاء انقلاب 25-مايو 1969 وكان وقتها بملامح اشتراكية ، لذلك تبنى بنك السودان تطبيق سياسات التأميم التي أعلنتها الدولة في عام 1970 ،والتى تم بموجبها تأميم كل البنوك الأجنبية بالسودان ، وقد شهدت هذه الفــــــــترة (1969 – 1975) الآتي :
- وضع سياسات تهدف إلى ربط التمويل التنموي بالخطة الإنمائية للدولة.
- توجيه الموارد نحو أهداف معينة تحددها الدولة.
- توزيع التمويل على القطاعات المختلفة وفق أولويات تضعها .
وفي أواخر عام 1975 لاحت بادرة انتهاج سياسة أكثر إنفتاحاً على العالم الاشتراكي والرأسمالي والإسلامي على السواء ، لذلك انتهجت الدولة سياسة الاقتصاد المفتوح "The open-door-policy" ومن ثم تمت دعوة العالم للاستثمار في السودان وتم إصدار قانون تشجيع الاستثمار لسنة 1976. بموجب ذلك سمح بنك السودان للبنوك الأجنبية بفتح فروع لها بالسودان شريطة أن لا يقل رأس المال المدفوع عن 10 ملايين دولار ، وانتشرت في هذه الفترة العديد من البنوك ومن ضمنها البنوك الإسلامية.
وخلال الفترة ( 1960 – 1983) ظل بنك السودان يستخدم أدوات السياسة النقدية التقليدية المتمثلة في التحكم في عرض النقود من خلال استخدام معدلات أسعار الفائدة ، وتغيير نسب الاحتياطي النقدي ، والتوجيه المباشر عن طريق وضع حدود قصوى للتمويل (سقوف ائتمانية).
في سبتمبر 1983 اصدر بنك السودان منشوراً للبنوك العاملة يمنع فيه التعامل بالفائدة ، ومن ثم بدأ تطبيق صيغ التمويل الإسلامية كأدوات جديدة لإدارة السياسة النقدية للبنك المركزي . وقد شهدت الفترة الأولى من إسلام الجهاز المصرفي (1984-1989) مرونة في تطبيق الصيغ الإسلامية، حيث سُمح للبنوك في عام 1986 بالعمل أما وفق صيغ التمويل الإسلامية أو العائد التعويضي . وأستمر الحال هكذا إلى أن تم الإعلان عن تعميق إسلام الجهاز المصرفي في عام 1990 حيث تم إنشاء الهيئة العليا للرقابة الشرعية على المؤسسات المالية الإسلامية في عام 1992 وأُلزمت المصارف بإنشاء هيئات رقابـــة شرعية خاصة بها ، وبذلك أصبح بنك السودان يشرف على نظام مصرفي إسلامي بكامله وحلك فى عام 2004م ، وبدأ في تطوير وتنمية أدوات السياسة النقدية في ظل النظام المصرفي الإسلامي .
في عام 2005 وبموجب اتفاقية السلام الشامل وخـــــاصة البند (14) من بروتوكول قسمة الثروة – الذي يركز على البنوك والعملة والسياسة النقدية والاقتراض – تم اعتماد قيام نظامين مصرفيين مختلفين (إسلامي في الشمال ، وتقليدي في الجنوب) ، وبذلك أصبح بنك السودان المركزي يشرف على سياسة نقدية واحدة يتم تطبيقها في ظل وجود نظامين مختلفين ، لذلك تم تأسيس بنك جنوب السودان كفرع لبنك السودان المركزي لمقابلة حاجة الجنوب للخدمات المصرفية التقليدية والمساهمة في نشر الوعي المصرفي وتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية بالجنوب .
وفي 9 يوليو 2011 وبعد انفصال جنوب السودان أصبح بنك جنوب السودان هو البنك المركزي لدولة جنوب السودان يتبع له كل فروع بنك السودان المركزي في الولايات الجنوبية سابقا وتم تجميد كل ما يختص بالبند (14) من بروتوكول قسمة الثروة المتعلقة بالسياسة النقدية والمصرفية والعملة والإقراض كما تم تعليق العمل بالفصل الخاص بسياسات النظام المصرفي التقليدي بجنوب السودان الواردة بمنشور سياسات بنك السودان المركزي و تجميد العمل بكل المنشورات المصرفية الصادرة بموجبها وتم تعديل قانون بنك السودان المركزي في سنة 2012